الجصاص
26
الفصول في الأصول
وليس يمتنع هذا ، وإن لم يكونوا على منهاج الأنبياء وطريقتهم ، واتباع شرائعهم ، كما قال تعالى : ( واتبع سبيل من أناب إلي ) ( 1 ) وقال تعالى : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) ( 2 ) جملة ، لأنهم لا يكونون مؤمنين إلا وهم متبعون للأنبياء عليهم السلام ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم ) . ( 3 ) وأيضا : فإن ظاهر اللفظ : يقتضي الاقتداء بالجميع ، فمن كان منهم له شريعة فالاقتداء به فيها واجب ، ومن لم يكن له منهم شريعة مخصوص من اللفظ ، إن كان المراد الأنبياء خاصة . وأما ما ذكره : من اختلاف شرائعهم وأنه يستحيل الاقتداء بهم فيها على اختلافها ، فلا معنى له ، لأن في شريعة النبي عليه السلام : الناسخ والمنسوخ ، كلك شرائع الأنبياء المتقدمين إنما يلزمنا منها ، وتصير شريعة لنبينا ما استقر وثبت حكمه إلى مبعثه عليه السلام ، فجعل شريعة له دون ما نسخ منها ، و ( 4 ) علمنا بالناسخ منها من المنسوخ على التفصيل لا يمنع صحة الاقتداء بهم فيها ، لأنا نقول : إنما يلزمنا منها ما أخبر الله ورسوله انه كان شريعة لهم ، ثم لم يخبر بنسخة ، فأما عدا ذلك فليس علينا تتبعه ، لأنها لا تصل إلى حقيقته من غير جهة الرسول عليه السلام . وأما قوله : لو كنا متعبدين بذلك ، لكان علينا طلبه وتتبعه ، فليس بموجب ما ذكر ، لأن ما كان من شريعتهم إذا صار شريعة لنا فقد اكتفينا بوجوده في القرآن والسنة الثابتة عن النبي عليه السلام ، عن طلبه من جهة أخرى . ونقول ( 5 ) : إن كل ما وجد في القرآن أو السنة أنه كان شريعة لنبينا عليه السلام على ما بينا ولا يحتاج بعد ذلك إلى طلبها من غير هذه الجهة ، لأنا لا نصل إليه من طريق يوثق بها ، وما كان هذا حكمه فقد سقط عنا تكليفه ، فإن اتفق أن يكون في شريعة من قبلنا شئ قد أراد الله تعالى أن يتعبدنا به - فإنه إن لم يذكر أنه قد كان شريعة لهم ، فإنه يبتدئ بإيجابه شريعة للنبي ، وإن لم يكن فيه حكاية كونه شريعة لمن قبلنا - فيكفي بهذا عن طلبه وتتبعه من شرائع من قبلنا .